على أرضية الملعب الذي احتضن النهائي الكبير، اصطدمت طموحات إسبانيا الباحثة عن المجد العالمي بتحدي الأرجنتين الساعية للدفاع عن تاجها، مواجهة جمعت بين هوية “لاروخا” المتجددة وخبرة “التانغو”، وانتهت بفصل جديد في تاريخ كأس العالم بعدما حسم اللقب في ليلة خالدة.
دخل المنتخب الإسباني منافسات كأس العالم 2026 وهو يحمل على عاتقه طموح استعادة اللقب العالمي، ليؤكد منذ مبارياته الأولى أنه أحد أبرز المرشحين لاعتلاء منصة التتويج، فمنذ دور المجموعات، فرض “لاروخا” أسلوبه القائم على الاستحواذ والضغط العالي، قبل أن يشق طريقه بثبات عبر الأدوار الإقصائية، متجاوزا النمسا في دور الـ32، ثم البرتغال في ثمن النهائي، وبلجيكا في ربع النهائي، وصولا إلى نصف النهائي، حيث أطاح بفرنسا بثنائية نظيفة.
وخلال رحلته نحو المباراة النهائية، حافظ المنتخب الإسباني على سجله خاليا من الهزائم، وقدم مستويات اتسمت بالانضباط التكتيكي والفعالية الهجومية، بينما لم تهتز شباكه سوى مرة واحدة، في مشوار عكس شخصية فريق عرف كيف يفرض إيقاعه على منافسيه من البداية حتى النهاية.
وعلى الجانب الآخر، دخل المنتخب الأرجنتيني، حامل لقب النسخة الماضية البطولة واضعا نصب عينيه الحفاظ على التاج العالمي، وبعد تجاوزه دور المجموعات، خاض “التانغو” رحلة شاقة في الأدوار الإقصائية، حيث تجاوز الرأس الأخضر بصعوبة في دور الـ32، ثم تخطى مصر بـ”ريمونتادا” في ثمن النهائي، قبل أن يعبر عقبة سويسرا في ربع النهائي، ويحقق عودة مثيرة أمام إنجلترا في نصف النهائي بفوز بـ2-1، ليحجز مقعده في النهائي، للمرة الثانية تواليا، وخلال هذه الرحلة، برهنت الأرجنتين على شخصية البطل، مستندة إلى خبرة لاعبيها، وتألق حارسها إيميليانو مارتينيز، الذي كان أحد أبرز عناصر الفريق بتصدياته الحاسمة، ليقود “الألبيسيليستي” إلى المباراة الختامية دفاعا عن لقبه العالمي.
جاءت المباراة النهائية على قدر التوقعات من حيث الندية، لكنها حملت أفضلية واضحة للمنتخب الإسباني على مستوى الأداء، فمنذ صافرة البداية، فرض “لاروخا” أسلوبه المعتمد على الاستحواذ وتناقل الكرة بسرعة، وضيق المساحات أمام الأرجنتين التي وجدت صعوبة في الخروج بالكرة وصناعة الفرص، ومع مرور الدقائق، توالت المحاولات الإسبانية من مختلف الجهات، في وقت تألق فيه الحارس إيميليانو مارتينيز بتصديات حاسمة أبقت منتخب بلاده في أجواء اللقاء، لينتهي الوقت الأصلي بالتعادل السلبي رغم السيطرة الإسبانية.

وفي الشوطين الإضافيين، ازدادت معاناة الأرجنتين بعد طرد إنزو فيرنانديز، لتستغل إسبانيا النقص العددي وتواصل ضغطها حتى نجح فيران توريس في هز الشباك عند الدقيقة 106، مسجلا هدف المباراة الوحيد، وحاولت الأرجنتين العودة في الدقائق المتبقية، إلا أن التنظيم الدفاعي الإسباني حال دون أي ردة فعل حقيقية، ليطلق الحكم صافرة النهاية معلنا فوز “لاروخا” بهدف دون رد، بعد مباراة فرض خلالها هيمنته على معظم فتراتها، مستحوذا على نحو 68% من الكرة، وموجها 20 تسديدة، بينها 12 على المرمى، مقابل عجز المنتخب الأرجنتيني عن تسديد أي كرة بين القائمين والعارضة طوال الـ120 دقيقة.
ومع صافرة النهاية، انطلقت احتفالات المنتخب الإسباني في أرضية الملعب، بعدما تسلم لاعبوه الميداليات الذهبية قبل أن يرفع القائد رودري كأس العالم وسط أجواء احتفالية امتزجت فيها دموع الفرح بهتافات الجماهير.
وفي المقابل، صعد لاعبو الأرجنتين إلى منصة التتويج لتسلم الميداليات الفضية، بعد مشوار طويل انتهى عند المحطة الأخيرة، وسط مشاهد خيم عليها التأثر، فيما خطفت دموع ليونيل ميسي الأنظار وهو يغادر حلم الاحتفاظ باللقب الذي توج به قبل أربع سنوات.
وامتد الحضور الإسباني في جوائز المونديال، حيث توج الإسباني رودري بجائزة أفضل لاعب في كأس العالم 2026، بعدما لعب دورا محوريا في قيادة “لاروخا” إلى اللقب بفضل حضوره المؤثر في خط الوسط طوال مشوار البطولة، ونال باو كوبارسي جائزة أفضل لاعب شاب، إثر بطولة رسخ خلالها مكانته كأحد أبرز المدافعين الصاعدين في العالم، فيما حصد أوناي سيمون القفاز الذهبي لأفضل حارس مرمى، عقب أداء استثنائي حافظ خلاله على نظافة شباكه في سبع مباريات، ليؤكد التفوق الجماعي والفردي لـ”لاروخا” في هذه النسخة.
وبهذا أسدل الستار على مونديال 2026 بتتويج إسبانيا باللقب العالمي الثاني في تاريخها، بعدما قدمت بطولة متكاملة على مستوى الأداء والنتائج، وجمعت بين قوة المنظومة وتألق نجومها، لتؤكد أحقيتها باعتلاء منصة التتويج، فيما أنهت الأرجنتين مشوارها في مركز الوصافة بعد رحلة حافلة بالمنافسة، اصطدمت في محطتها الأخيرة بمنتخب إسباني فرض إيقاعه وحسم التفاصيل الصغيرة، وبين احتفالات “لاروخا”، وحسرة “التانغو”، اختتمت كأس العالم فصلا جديدا من تاريخ اللعبة، تاركة خلفها لحظات ستبقى عالقة في ذاكرة عشاق المستديرة.
هبة خيرون (صحفية متدربة)












































